
يوافق اليوم الذكرى العشرون لاستشهاد القائد القسامي الكبير نضال فرحات، الذي أرق العدو، وغيرت مسيرته النضالية والجهادية مجرى الصراع مع الاحتلال الصهيوني.
فرحات الذي ولد في الثامن من نيسان عام 1971 لعائلة مجاهدة، هو الابن البكر لخنساء فلسطين المجاهدة مريم فرحات، الذي شكل بيتها مأوى للمجاهدين والمطاردين خلال فترات الانتفاضة المتعاقبة من تاريخ شعبنا والذي كان من أبرزهم المطارد الشهيد القسامي عماد عقل.
ووسط بيئة تحتضن العمل المقاوم وتتبناه، انخرط الشهيد نضال مبكرا في صفوف كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس منذ مطلع التسعينيات، وعكف على تطوير القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، حتى بزغت في عقله فكرة تصنيع صاروخ في غزة، لتغدو الفكرة اليوم سلاحا استراتيجيا، وكابوسا يؤرق قادة الاحتلال الصهيوني، وتفرض معادلة جديدة في الصراع.
وشكل امتلاك المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها كتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة حماس سلاح الصواريخ محلية الصنع، نقلة نوعية في مسار الصراع مع الاحتلال الصهيوني، ونجحت في فرض معادلات جديدة، وقلب موازين المعركة مع الاحتلال.
البداية
سخّر القائد نضال فرحات جل وقته من أجل صناعة سلاح يكون رادعًا قويًا للاحتلال، فانطلق في رحلة البحث عن المكونات الأساسية والاحتياجات اللازمة لصناعة الصاروخ، فوجد نفسه أمام تحد كبير لهذا التصنيع الأولي، فالتقى مع رفيق دربه تيتو مسعود، حيث قررا المضي قدمًا لإنجاز هذه الفكرة بطريقة متقنة ترضي تطلعات شعبنا في مواجهة الاحتلال.
وسار القائدان فرحات ومسعود في طريق صناعة الصاروخ بخطى ثابتة رغم قلة الإمكانات وعدم توفر المعلومات حول صناعة الصواريخ، الذي لم يثنهما عن هدفهما، فكان البحث الذاتي والاستعانة بأناس لديهم خبرة في مجال التصنيع، هو دليلهم وخريطتهم في هذه الرحلة، بالإضافة إلى تجاربهم المتكررة.
وأمام هذه التحديات والصعوبات دأب فرحات على تجميع الصاروخ من خلال جمع بعض المواد المتوفرة، وتوصل لصناعة هيكل الصاروخ، وإيجاد المادة الدافعة لجعل الصاروخ يصل إلى أبعد مدى ممكن داخل أراضينا المحتلة.
باكورة الصواريخ
وعند اكتمال الصاروخ وإتمام تركيبه، وبعد تجارب عديدة في محاولات الإطلاق وتحسينات عليها حتى اللمسات الأخيرة، حانت ساعة الصفر، ففي يونيو 2001 سُجل أول إطلاق لصاروخ قسامي من قطاع غزة تجاه الأراضي المحتلة.
أطلقت كتائب القسام على الصاروخ اسم "قسام1"، ليكون باكورة تطور صناعة الصواريخ القسامية، وصولًا إلى ما عليه اليوم من قوة يحسب لها قادة العدو ألف حساب.
وبرغم أن الصاروخ الأول لم يحدث تأثيراً تدميرياً وإصابات دقيقة، إلا أن الاحتلال فزع من هذه المحاولة، وتخوف من تطوير هذا الصاروخ، فشرع بإحكام إغلاقه على المواد الواردة إلى غزة لتجنب أي فرصة لمفاجآت أخرى.
مسار التطور
بعد نجاح التجربة الأولى دأب مهندسو القسام على إدخال التطويرات والتحسينات على أداء الصاروخ، فطوروا صاروخ قسام 1 إلى قسام 2 الذي دخل الخدمة عام 2002م، وكان مداه يتراوح بين 9-12 كيلو مترًا، وقسام 3 عام 2005م ووصل مداه إلى 17 كيلومترًا حتى عام 2008م.
وبعد انتهاء معركة الفرقان 2008م عملت كتائب القسام على تطوير صواريخها محلية الصنع بشكل كبير ومكثف، وأجريت العديد من التجارب لعدد من الصواريخ، وحققت تطوراً كبيراً، ظهر بشكل جلي خلال معركة حجارة السجيل 2012م، مع إعلان الكتائب عن صاروخ M75 وسمي بهذا الاسم تيمناً بالمفكر إبراهيم المقادمة، واستهدفت به الكتائب "تل أبيب" لأول مرة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني رداً على اغتيال قائد أركان المقاومة الشهيد القائد أحمد الجعبري.
وبعد عامين من معركة حجارة السجيل كانت معركة العصف المأكول عام 2014م والتي أظهرت تطوراً فاجأ العدو والصديق، حيث أعلنت كتائب القسام عن أجيال جديدة من الصواريخ، وأسماء جديدة خلّدت بها سيرة المجاهدين الأوائل والقادة العظام، منها صاروخs55 ويبلغ مداه 55 كيلومتراً.
وشهدت معركة العصف المأكول ولادة صاروخ جديد باسم j80 نسبةً للقائد الشهيد أحمد الجعبري، بمدى يصل لـ 80 كيلو متراً، وتحدت الكتائب به منظومة القبة الحديدة في أن تتمكن من اعتراضه، لتسجل تفوقًا جديدًا على جيش الاحتلال.
وخلال المعركة أيضا كشفت الكتائب عن صاروخ R160 والذي أوفت به وعد الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وقصفت به مدينة حيفا المحتلة، ووصل مداه إلى 160 كيلومترًا، وسمي بهذا الاسم تكريماً للدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
وخلال معركة سيف القدس عام 2021م أعلنت القسام عن صاروخ A120 وسمي بهذا الاسم نسبة للشهيد القائد رائد العطار، ويحمل رؤوسًا متفجرة ذات قدرة تدميرية عالية بمدى يصل إلى 120 كيلو مترًا، وكان أول استخدام له بقصف المستوطنات بضواحي مدينة القدس.
وكشفت أيضا عن استخدام صاروخ sh85 ويصل مداه الى 85 كيلومترًا وسمي بهذا الاسم نسبة للقائد القسامي محمد أبو شمالة.
وردا على جرائم الاحتلال المتواصلة خلال المعركة، أدخلت كتائب القسام إلى الخدمة صاروخ عياش 250 وهو صاروخها الأكثر تدميراً والأطول مدى، وقصفت به مطار رامون، في تحد كبير وعرض لبعض إنجازات كتائب القسام وما وصلت إليه من تطورات، ليغطي الصاروخ كل الأراضي الفلسطينية المحتلة من أقصى الشمال حتى الجنوب.
حلم الطائرة
ولم يكن الصاروخ آخر الأفكار التي سلبت عقل القائد المجاهد نضال فرحات، فسلك طريق التطور حين بادر بصناعة الطائرة الشراعية لضرب أهداف الاحتلال بالمتفجرات.
قبيل استشهاده كان القائد فرحات يعمل على تصنيع طائرة بدون طيار لضرب أهداف الاحتلال بالمتفجرات، وكان ينوي تسيير الطائرة بحمولة 20 كيلوغرامًا من المتفجرات ليتم إلقاؤها فوق مستوطنات الاحتلال بالتحكم فيها عن بعد ثم العودة إلى مكان الانطلاق.
واقترب من تحقيق حلمه الأكبر بتجهيز الطائرة، لكنه استشهد في السادس عشر من فبراير من عام 2003، في عملية اغتيال مدبرة برفقة خمسة مجاهدين كانوا يجهزون طائرة صغيرة تعمل بالتوجيه عن بُعد وصلت إليهم عبر عملية أمنية معقدة.
وبعد استشهاد فرحات عملت الكتائب على مشروع صناعة طائرات الأبابيل، وأعلنت انطلاقها في أجواء أراضينا المحتلة خلال معركة العصف المأكول عام 2014م.
وستواصل المقاومة وعلى رأسها كتائب القسام مسيرتها في الإعداد ومراكمة القوة وتطوير قدراتها على مختلف الأصعدة، ويدها قابضة على البندقية حتى تنعم فلسطين والقدس والأقصى بالحرية القريبة.